أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
159
شرح مقامات الحريري
أعجب ! أمن حسنها ، أم من حسن روايتها وجودة ضبطها للغريب ، أم من اقتدارها على النّحو ومعرفة أوزان الشعر ! ثم قالت : أذهب ما كان عندك من الحصر ؟ قلت : إي واللّه ، قالت : فإن رأيت أن تنشدنا ، فأنشدتها لجماعة من القدماء ما فيه مقنع ، فاستحسنت ذلك ثم قالت : واللّه ما ظننت أن يوجد في أبناء السوقة هذا ! ثم أمرت بالطعام فأحضر ، وقالت : الممالجة أول الرضاع ، فدونك . وجعلت تقطّع وتضع بين يديّ ، وفي المجلس من صنوف الرياحين ، وغرائب الفواكه ما لا يكون إلا عند سلطان ، ودعت بالشّراب ، فشربت قدحا ، ثم سكبت لي قدحا ، فشربت ، ثم قالت : هذا أوان المذاكرة بالأخبار وأيام الناس ، فاندفعت فقلت : بلغني أنه كان كذا ، وكان رجل يقال له كذا ، حتى أتيت على عدة أخبار حسان ، فسرّت بذلك ، وقالت : كثر تعجّبي أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا ، وإنّما هذه أحاديث ملوك ، فقلت : كان لي جار ينادم الملوك ، فإذا تعطّل حضرت معه ، فربّما حدّث بما سمعت ، فأخذتها عنه . فقالت : لعمري لقد أحسنت الحفظ ، وما هذا إلا لقريحة جيّدة ، وأخذنا في المذاكرة إذا سكتّ ابتدأت هي ، وإذا سكتت ابتدأت أنا ، حتى قطعنا عامة الليل ، وبخور العود يعبق ، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار فرحا . فقالت : إنك من الرجال وضيء الوجه ، بارع الأدب ، وما بقي عليك إلا شيء واحد . قلت : وما هو ؟ فقالت : لو كنت تترنّم ببعض الأشعار ! فقلت : واللّه لقديما كلفت به ولم أرزقه ، فأعرضت عنه ، وفي قلبي منه حزازة ، وكنت أحبّ أن أسمع في مجلسي هذا منه شيئا لتكمل ليلتي ، قالت : كأنّك عرّضت بنا ! قلت : واللّه ما هو تعريض ، قد بدأت بالفضل وأنت جديرة باستتمامه . فأحضر عود بأمرها ، فغنّت بصوت ما سمعت كحسنه ، مع حسن أدائه ، وجودة الضرب . فقلت : واللّه لقد أكمل اللّه فيك خلال الفضل وحباك بالكمال الراجح ، والعقل الوافر ، والأخلاق الرضيّة والأفعال السنية . قالت : هل تعرف هذا الصوت ومن غنّى فيه ؟ قلت : لا واللّه ، قالت الشعر : لفلان ، وكان سببه كذا والغناء لإسحاق ، قلت : وإسحاق هذا جعلت فداك في هذا الحال ! قالت : بخ بخ ! إسحاق بارع هذا الشأن ، قلت : سبحان اللّه ! لقد أعطى هذا ما لم يعطه أحد ، قالت : فكيف لو سمعت هذا الصوت منه ! فلم نزل كذلك حتى إذا انشقّ الفجر أقبلت عجوز كأنها داية ، لها ، قالت : أي بنيّة ، إن الوقت قد حضر ، فنهضت عند قولها ، فقالت : مصاحبا ، لتستر ما كنا فيه ، فإن المجالس بالأمانات ، فقلت : جعلت فداك ، أفأحتاج إلى وصية في ذلك ! وودعتها وجارية بين يديّ إلى باب الدار ، ففتح لي ، وخرجت إلى داري فصلّيت الصبح ، ونمت . فأنبهني رسول المأمون فسرت إليه ، فلما رآني ، قال : يا إسحاق ، تشاغلنا عنك ، فما كان حالك ؟ قلت : اشتريت صبيّة وكنت معلّق القلب بها ، فمضيت لها ، وشربت معها ونمت ، فقال : يتهيّأ مثل هذا ، فهل لك فيما كنا فيه أمس ! فقلت : وما يمنع من ذلك ؟ فنهضت إلى مجلس أمس ؛ فلما كان العشاء قال : لا ترم ، فإني أجيئك ونهض ، فتأمّلت